عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
516
اللباب في علوم الكتاب
[ القصص : 73 ] ، والمعنى ؛ لتسكنوا في اللّيل ، ولتبتغوا من فضله في النهار . وأمّا الشعر : فقول امرئ القيس : [ الطويل ] 1044 - كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي « 1 » فشبه العنّاب بالرطب ، والحشف البالي باليابس . قال ابن عطيّة : « هذا تحكّم وحمل للكلام على غير وجهه » . وقيل : الجملتان من قول الرسول والمؤمنين معا ، يعني أن الرسول قالهما معا ، وكذلك أتباعه . فإن قيل : كيف يليق بالرسول القاطع بصحّة وعد اللّه ووعيده أن يقول مستبعدا : متى نصر اللّه ؟ والجواب من وجوه : أحدها : التأويل المتقدّم . والثاني : أن قول الرسول « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » ليس على سبيل الشّكّ بل على سبيل الدعاء باستعجال النصر . الثالث : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذّى من كيد الأعداء ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [ الحجر : 97 ] وقال تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] وقال تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [ يوسف : 110 ] ، وعلى هذا فإذا ضاق قلبه ، وقلّت حيلته ، وكان قد تقدم وعبد اللّه بنصره ، إلّا أنه لم يعيّن له الوقت ؛ قال عند ضيق قلبه : « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » حتّى إنّه إذا علم قرب الوقت ، زال غمه وطاب قلبه ؛ ويؤيد ذلك قوله في الجواب « إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » فلما كان الجواب بذكر القرب ؛ دلّ على أنّ السؤال كان واقعا عن القرب ، ولو كان السؤال وقع عن أنّه هل يوجد النصر ، أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال ، هذا على قول من قال إن قوله : « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » من كلام اللّه تعالى جوابا للرسول ، ومن قال إنه من كلام المؤمنين . قال : إنّهم لما علموا أنّ اللّه تعالى لا يعلي عدوه عليهم ، قالوا : « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » ، فنحن على ثقة بوعدك . وقيل : إنّ الجملة الأولى من كلام [ الرسول وأتباعه ، والجملة الأخيرة من كلام ] اللّه تعالى ، على ما تقدم . فالحاصل أنّ الجملتين في محلّ نصب بالقول .
--> ( 1 ) ينظر : ديوانه ص 38 ، وشرح التصريح 1 / 382 ، وشرح شواهد المغني 1 / 342 ، 2 / 595 ، 819 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 244 ، ولسان العرب ( أدب ) ، والمقاصد النحوية 2 / 216 ، والمنصف 2 / 117 ، والأشباه والنظائر 7 / 64 ، وأوضح المسالك 2 / 329 ، ومغني اللبيب 1 / 218 ، 2 / 392 ، 439 .